غادة عبدالله
04-06-06, 20:41-24
في كل مرة أدخل فيها على الشبكة العنكبوتية تلاحقني كما تلاحق غيري دعايات على الشاكلة التالية :
هل تود تود استكمال تعليمك والحصول على شهادة :
البكالوريوس ، الماجستير ، الدكتوراه ، الدبلوما .. في المجالات التالية ...؟؟
و الفكرة كلها منصبة على الدراسة عن طريق الانترنت ، ذلك أن المصطلحات التالية :
Online learnig , e-learnig, education online ,
وغيرها كلها وسائل مستحدثة لمبدأ ثابت وهو التعلم عن بعد : distance learnig
مع التطوير الذي يلزمه دخول العالم في سوق البرمجيات وتطور وسائل الاتصالات والتي تعمل كلها على إيجاد ( البيئة الافتراضية ) للتعليم التي تحاكي البيئة التعليمية الواقعية electronic/virtual: classroom ,school, university هذا الأمر الذي أدى بالكثير من المعنيين بمراقبة حركة التطور الحضاري والمعرفي للمجتمعات البشرية إلى اعتبار التضخم التقني الذي يعيشه العالم اليوم عاملا دافعا في تسريع مفاهيم عدة من مثل : شيوع المعرفة ، ديوقراطية التعليم ، التعلم والمعرفة حق للجميع . مما يعني أننا أمام إنسان تضخم عقله واتسعت مداركه بشكل غير مسبوق في التاريخ وغير قابل للتوقف أو التقهقر !! والسبب الرئيس يعود إلى أن منافذ المعرفة في هذا الدفع التقني العالي لم تعد مقصورة على مصادر معينة ، ففي الزمن القديم كان رجال الكهنوت والمعابد هم وحدهم المسيطرون على ما يعرف بالسِّر المقدس للعلم والحكمة ، وفي عصور الإقطاع والطبقية كان العلم وقفا على أبناء الخاصة سواء في القصور أو المعاهد التي غالبا ما تكون: كتدرائية ؛ فكان العلم شكلا من أشكال بسط النفوذ الطبقي والاقتصادي على الفئات الدنيا في المجتمع الغربي . ومع حركات التحرر والثورات المتعاقبة ظهرت الدعاوى بضمان العلم والعمل حقا أساسيا من حقوق الإنسان عن طريق تطبيق مجانية التعليم وفتح المعاهد والجامعات بكثرة وما إلى ذلك مما أشرع الباب واسعا لدخول الطبقات الفقيرة للمشاركة في بناء المعرفة المجتمعية وكان منهم النابغين في العلوم والفنون.
أي أن سير العلم ذاته كان بطريقة أو أخرى خاضعا للتطور المجتمعي ( فكريا – اقتصاديا – سياسيا ) ومع تأسيس الديموقراطية في الدولة الحديثة استطاع العلم ( النظري / العملي ) أن ينتزع له مكانا ثابتا في ميزانية الدول فكفلت له الرعاية والحرية والموارد المالية والبشرية ما يجعله عامل رحجان في سيادة الدولة وقوتها .
واليوم ومع شيوع الإنترنت صار طلب العلم ترجمة قوية لتلك الرغبة الثائرة في التحرر ، خاصة عند الفئات التي أعاقتها الظروف والحوادث عن استكمال تعليمها ، كما أنها صارت تشكل موردا ماليا هامة للمنشأة التعليمية على اعتبار أن من تعاريف المؤسسة التعليمية الحديثة أنها مؤسسة خدمات قبل كل شيء !!.
إن هذا الانبهار بالأنماط المتطورة للتعليم ( on line) ليس مرفوضا في جوهره ، بل إن المسلمين هم أول من طبق مبدأ شيوع المعرفة وبالمجان لأن مجتمعاتهم لم تكن تعرف الطبقية أو العنصرية في تلقي العلم وأمثلة علمائهم ممن كانوا من الطبقات الفقيرة كثيرة من مثل الجاحظ : الذي كان يؤجر نفسه للعمل في دكاكين الوراقين كي يستطيع قراءة الكتب والتبحر في المصادر . بل إنهم تجاوزوا العنصرية السياسية في العلم حين فتحوا قلاعهم العلمية لمن لا يشاركهم الدين - و ربما يعاديهم - من مثل : ثابت بن قرة وبني إسحاق الذين كانوا من أهل الكتاب ونبغوا حتى وصلوا إلى بلاط الخلفاء .
ولكن الأسئلة التي تثار حول تكنولوجيا التعليم الحديثة والإشكالية التي تطرحها هذه الأنماط المتسارعة لعملية التعلم ، تجعل من الضرورة بمكان أن نفتش عن الآفاق والرواسب التي تتركها في الإنسان والمجتمع وحركة النمو العلمي ، بدل أن تصبح تضخما في الشهادات وتراكما في الخريجين ؟؟!!
1-مستويات عملية التعلم تمر عبر منظومة تتكامل فيها عناصر بناء الإنسان ككل لايتجزأ ( عقلا وروحا وجسدا) ، وقد نبه الله تعالى في حديثه عن رسوله عليه الصلاة والسلام للناس أنه يتكامل في عمله العلم المعلوماتي مع التربية الخلقية ، قال تعالى : ( لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) آ ل عمران 164 ، ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) الجمعة : 2
فهل يعطي هذا النمط من التعليم اعتبارا للشخصية الإنسانية ( خلقيا وفكريا ) أم أنه يصب اهتمامه فقط على التدريس بجانبه العلمي فقط ؟
يرى أصحاب هذا النمط التعليمي أن البيئة الالكترونية التي يصنعها هذا النوع من التعليم تسمح للأسخاص الإنطوائيين تحديدا أن يتخلصوا من الرهاب الاجتماعي والقلق الناتج عن وجودهم في بيئات جماعية تخلطهم بأناس وأشخاص متعددين ، كما أنه يتيح لهم وقتا أكبر للتفكير حول الموضوع المطروح قبل الرد عليه ؟؟!! في حين أن الأشخاص أصحاب الميول الاجتماعية الذين يفضلون البيئات الاجتماعية الصارخة سيجدون صعوبة من التأقلم مع هذا النمط التعليمي القائم على الانعزالية ؟؟
وهنا نطرح الأسئلة التالية :
· مادام هذا الشكل التعليمي مفيدا لهذه الفئة المحددة فلماذا يتم تعميمه ليصبح أسلوبا مسيطرا على الطلاب الآخرين ولا يتم احترام التنوع النفسي لكل الطلاب في بيئة التعلم ؟؟
· ثم هل المفروض في عملية التعلم إبقاء كل ذي عيب على عيبه أم مساعدة المتعلم على التخلص من مشاكله الشخصية التي قد تعيق مرونته في البيئة الاجتماعية عامة ، بدل ترسيخ ما يعانيه وكأنه مسلَّمة متجذرة في داخله ؟
إن وجود المتعلم داخل منظومة تعليمية جماعية هو هدف قائم بذاته يساعد على بناء خبرات الشخص وأساليب التعليم المتعددة كالتعليم بالممارسة والخبرة ... ما يزيد أضعافا على حجم الاستفادة من المعلومة العلمية المحصورة في الكتاب المقرر ! بل إن هناك فرعا خاصا من أصول الفن التربوي اليوم يعرف بالتعليم الجماعي أو التعاوني يثبت أن الذهن الإنساني يعمل بطريقة مختلفة تماما حال وجوده في بيئة جماعية محفزة لا يصل إليها مع الانعزالية والسكون !! ولقد طبق الرسول صلى الله عليه وسلم كلا نوعي التعليم : الفردي والجماعي في تعليمه وتربيته لصحابته الكرام رضي الله عنهم !!
2-النقطة السالفة تسلمنا إلى جملة من المصطلحات التي ترافق شيوع هذا النوع من التعليم الالكتروني ، تزداد معها أهمية البحث لفهم وتنقيح هذه المفاهيم واعتبارها جزءا من قضية إنسانية حقيقية : هذه المصطلحات هي :
· المجتمعات الافتراضية : فالتعليم الالكتروني يطرح بناء خاصا للمجتمع لايرتبط بالمكان ، ولا بحدود الانضباط التي تفرضها طبيعة المجتمع المتلون والتي تشكل في قبولها محكا هاما في تدريب الفرد على المرونة النفسية في التعامل مع مختلف الفئات العقلية والعمرية ، والبناء المجتمعي الجديد الذي يطرحه التعليم الالكتروني : أن المجتمع الاقتراضي هو وحدة أو كتلة قائمة على اشتراك أصحابها في الميول والمواهب والاهتمامات منذ البداية مما يسرع عملية التوائم بين أفراد المجموعة من جهة ، وتحقيق أسرع وأكبر قدر من الإنجازات ... ورغم جمالية هذا التصور للمجتمع الافتراضي إلا أنه سيتناقض مع النقطة الأولى والتي لم تكترث أصلا بالاختلاف النفسي بين أطياف المتعلمين !!
· الشخصية الالكترونية : إن التعليم الالكتروني شأنه شأن الحرية التي يوفرها عالم الانترنت يبيح للطالب إعادة تشكيل شخصيته وفق ما يريد لا وفق ما هو عليه في الواقع. ويرتكز على إتاحة الفرصة للمتعلم ببناء شخصيته من خلال فرض نفسه ومحاوراته مع الآخرين والتبادل الثقافي بينهم ، مما يساعده على التغلب على عيوبه الذاتية كما أنه يقوم بوظيفة ( إحلال نموذج ) يصنعه الشخص بنفسه ولنفسه !! وقد يجد الطالب نفسه في مرحلة ما وخاصة في البداية ، في شيء من الانفصام بين شخصيته الطبيعية والالكترونية ولكن بتواجده المستمر في بيئة التعليم الالكتروني ؛ فإنه يصبح قادرا على التعايش مع الشكل الجديد له ، بل يصبح لا يرضى له بديلا !!
3-التعليم الالكتروني لم يستطع أن يوفر بيئة تفاعلية لأنشطة الحياة التعليمية الواقعية إلى هذه اللحظة ، فهناك الأنشطة الطلابية والبيئة الإنسانية التي يتعلم فيها الطالب من السلوكيات أكثر مما يتعلمه من التلقين العلمي ، وذلك أن الفترة الزمنية التي يقضيها الطالب على شاشة الكمبيوتر لتلقي المحاضرة التفاعلية لا تتعدى الثلاث ساعات في أقصى حد لها ، مما يعني أننا نفقد التعايش الحقيقي بين شخصية الطالب الإنسانية و المعلم أو المدرس الإنساني كذلك !! عدا ما يسببه ذلك من مشاكل صحية على المدى البعيد حال زيادة عدد ساعات الجلوس أمام الحاسوب !!
لسنا هنا نقول برفض هذا النمط التعليمي فهو سيفرض نفسه تبعا للاندماج العالمي وسرعة الحياة التي يتطلبها الدخول في عالم اليوم ، خاصة وأن السوق التجاري يشجع كثيرا على هذا النمط التعليمي لأنه سيمثل سوقا برمجيا رائجا وفتحا جديدا لجني الأموال الطائلة والدخول في سوق المنافسة في تصميم وتنفيذ البرامج الخاصة بالمناهج التعليمية حال تبني الدول بأكملها له !!
ولكن ينبغي التوقف للتأكيد على ما يلي :
أولا : أن هذا النوع من التعليم سيكون فاعلا أكثر لو دخل تحت ما يعرف : بتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة أو من يعانون من صعوبات التعلم ، ولا يقصد هنا أصحاب الإعاقات الذهنية والجسدية ولكن من أجبرتهم ظروفهم الخاصة على ترك التعليم مدة من الزمان وأرادوا العودة مرة أخرى لرحابه .
ثانيا : أن يتم تحديد الأعمار المستفيدة من هذا النمط التعليمي ، فمثلا هناك فرق بين فرض هذا النموذج التعليمي على طلاب المراحل الابتدائية والتأسيسية ممن مازالوا بحاجة لفكرة المعايشة والمعاشرة مع شخصية وقدوة إنسانية أمامهم ، ولا يمكن ضبطهم سلوكيا عبر منظومة افتراضية قد يكون فيها المعلم في بلد آخر بعيد عنهم !! وقد يكون أقل ضررا لو كان في المراحل الجامعية المتقدمة ذلك أن حاجة الطالب هنا لبناء مهارة البحث العلمي والتعامل مع شتى مصادر المعرفة أكثر ، وهذا ما يتيحه له التعليم الالكتروني الذي يبني منهجيته على اتساع المصدرية العلمية والمعرفية .
ثالثا : أن يعمل القائمون على هذا النمط من التعليم بطرح الدراسات الوافية حول : القضايا النفسية ، والأخلاق التربوية ، والحماية الفكرية ، والخصوصية الثقافية ، وعدالة التعامل ...
وغير ذلك من قضايا تمس جوهر العملية التعليمية فيما لو اتفقنا على أننا هنا نعلِّم إنسانا فقط ؟؟ لا إنسانا آليا !!
هل تود تود استكمال تعليمك والحصول على شهادة :
البكالوريوس ، الماجستير ، الدكتوراه ، الدبلوما .. في المجالات التالية ...؟؟
و الفكرة كلها منصبة على الدراسة عن طريق الانترنت ، ذلك أن المصطلحات التالية :
Online learnig , e-learnig, education online ,
وغيرها كلها وسائل مستحدثة لمبدأ ثابت وهو التعلم عن بعد : distance learnig
مع التطوير الذي يلزمه دخول العالم في سوق البرمجيات وتطور وسائل الاتصالات والتي تعمل كلها على إيجاد ( البيئة الافتراضية ) للتعليم التي تحاكي البيئة التعليمية الواقعية electronic/virtual: classroom ,school, university هذا الأمر الذي أدى بالكثير من المعنيين بمراقبة حركة التطور الحضاري والمعرفي للمجتمعات البشرية إلى اعتبار التضخم التقني الذي يعيشه العالم اليوم عاملا دافعا في تسريع مفاهيم عدة من مثل : شيوع المعرفة ، ديوقراطية التعليم ، التعلم والمعرفة حق للجميع . مما يعني أننا أمام إنسان تضخم عقله واتسعت مداركه بشكل غير مسبوق في التاريخ وغير قابل للتوقف أو التقهقر !! والسبب الرئيس يعود إلى أن منافذ المعرفة في هذا الدفع التقني العالي لم تعد مقصورة على مصادر معينة ، ففي الزمن القديم كان رجال الكهنوت والمعابد هم وحدهم المسيطرون على ما يعرف بالسِّر المقدس للعلم والحكمة ، وفي عصور الإقطاع والطبقية كان العلم وقفا على أبناء الخاصة سواء في القصور أو المعاهد التي غالبا ما تكون: كتدرائية ؛ فكان العلم شكلا من أشكال بسط النفوذ الطبقي والاقتصادي على الفئات الدنيا في المجتمع الغربي . ومع حركات التحرر والثورات المتعاقبة ظهرت الدعاوى بضمان العلم والعمل حقا أساسيا من حقوق الإنسان عن طريق تطبيق مجانية التعليم وفتح المعاهد والجامعات بكثرة وما إلى ذلك مما أشرع الباب واسعا لدخول الطبقات الفقيرة للمشاركة في بناء المعرفة المجتمعية وكان منهم النابغين في العلوم والفنون.
أي أن سير العلم ذاته كان بطريقة أو أخرى خاضعا للتطور المجتمعي ( فكريا – اقتصاديا – سياسيا ) ومع تأسيس الديموقراطية في الدولة الحديثة استطاع العلم ( النظري / العملي ) أن ينتزع له مكانا ثابتا في ميزانية الدول فكفلت له الرعاية والحرية والموارد المالية والبشرية ما يجعله عامل رحجان في سيادة الدولة وقوتها .
واليوم ومع شيوع الإنترنت صار طلب العلم ترجمة قوية لتلك الرغبة الثائرة في التحرر ، خاصة عند الفئات التي أعاقتها الظروف والحوادث عن استكمال تعليمها ، كما أنها صارت تشكل موردا ماليا هامة للمنشأة التعليمية على اعتبار أن من تعاريف المؤسسة التعليمية الحديثة أنها مؤسسة خدمات قبل كل شيء !!.
إن هذا الانبهار بالأنماط المتطورة للتعليم ( on line) ليس مرفوضا في جوهره ، بل إن المسلمين هم أول من طبق مبدأ شيوع المعرفة وبالمجان لأن مجتمعاتهم لم تكن تعرف الطبقية أو العنصرية في تلقي العلم وأمثلة علمائهم ممن كانوا من الطبقات الفقيرة كثيرة من مثل الجاحظ : الذي كان يؤجر نفسه للعمل في دكاكين الوراقين كي يستطيع قراءة الكتب والتبحر في المصادر . بل إنهم تجاوزوا العنصرية السياسية في العلم حين فتحوا قلاعهم العلمية لمن لا يشاركهم الدين - و ربما يعاديهم - من مثل : ثابت بن قرة وبني إسحاق الذين كانوا من أهل الكتاب ونبغوا حتى وصلوا إلى بلاط الخلفاء .
ولكن الأسئلة التي تثار حول تكنولوجيا التعليم الحديثة والإشكالية التي تطرحها هذه الأنماط المتسارعة لعملية التعلم ، تجعل من الضرورة بمكان أن نفتش عن الآفاق والرواسب التي تتركها في الإنسان والمجتمع وحركة النمو العلمي ، بدل أن تصبح تضخما في الشهادات وتراكما في الخريجين ؟؟!!
1-مستويات عملية التعلم تمر عبر منظومة تتكامل فيها عناصر بناء الإنسان ككل لايتجزأ ( عقلا وروحا وجسدا) ، وقد نبه الله تعالى في حديثه عن رسوله عليه الصلاة والسلام للناس أنه يتكامل في عمله العلم المعلوماتي مع التربية الخلقية ، قال تعالى : ( لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) آ ل عمران 164 ، ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) الجمعة : 2
فهل يعطي هذا النمط من التعليم اعتبارا للشخصية الإنسانية ( خلقيا وفكريا ) أم أنه يصب اهتمامه فقط على التدريس بجانبه العلمي فقط ؟
يرى أصحاب هذا النمط التعليمي أن البيئة الالكترونية التي يصنعها هذا النوع من التعليم تسمح للأسخاص الإنطوائيين تحديدا أن يتخلصوا من الرهاب الاجتماعي والقلق الناتج عن وجودهم في بيئات جماعية تخلطهم بأناس وأشخاص متعددين ، كما أنه يتيح لهم وقتا أكبر للتفكير حول الموضوع المطروح قبل الرد عليه ؟؟!! في حين أن الأشخاص أصحاب الميول الاجتماعية الذين يفضلون البيئات الاجتماعية الصارخة سيجدون صعوبة من التأقلم مع هذا النمط التعليمي القائم على الانعزالية ؟؟
وهنا نطرح الأسئلة التالية :
· مادام هذا الشكل التعليمي مفيدا لهذه الفئة المحددة فلماذا يتم تعميمه ليصبح أسلوبا مسيطرا على الطلاب الآخرين ولا يتم احترام التنوع النفسي لكل الطلاب في بيئة التعلم ؟؟
· ثم هل المفروض في عملية التعلم إبقاء كل ذي عيب على عيبه أم مساعدة المتعلم على التخلص من مشاكله الشخصية التي قد تعيق مرونته في البيئة الاجتماعية عامة ، بدل ترسيخ ما يعانيه وكأنه مسلَّمة متجذرة في داخله ؟
إن وجود المتعلم داخل منظومة تعليمية جماعية هو هدف قائم بذاته يساعد على بناء خبرات الشخص وأساليب التعليم المتعددة كالتعليم بالممارسة والخبرة ... ما يزيد أضعافا على حجم الاستفادة من المعلومة العلمية المحصورة في الكتاب المقرر ! بل إن هناك فرعا خاصا من أصول الفن التربوي اليوم يعرف بالتعليم الجماعي أو التعاوني يثبت أن الذهن الإنساني يعمل بطريقة مختلفة تماما حال وجوده في بيئة جماعية محفزة لا يصل إليها مع الانعزالية والسكون !! ولقد طبق الرسول صلى الله عليه وسلم كلا نوعي التعليم : الفردي والجماعي في تعليمه وتربيته لصحابته الكرام رضي الله عنهم !!
2-النقطة السالفة تسلمنا إلى جملة من المصطلحات التي ترافق شيوع هذا النوع من التعليم الالكتروني ، تزداد معها أهمية البحث لفهم وتنقيح هذه المفاهيم واعتبارها جزءا من قضية إنسانية حقيقية : هذه المصطلحات هي :
· المجتمعات الافتراضية : فالتعليم الالكتروني يطرح بناء خاصا للمجتمع لايرتبط بالمكان ، ولا بحدود الانضباط التي تفرضها طبيعة المجتمع المتلون والتي تشكل في قبولها محكا هاما في تدريب الفرد على المرونة النفسية في التعامل مع مختلف الفئات العقلية والعمرية ، والبناء المجتمعي الجديد الذي يطرحه التعليم الالكتروني : أن المجتمع الاقتراضي هو وحدة أو كتلة قائمة على اشتراك أصحابها في الميول والمواهب والاهتمامات منذ البداية مما يسرع عملية التوائم بين أفراد المجموعة من جهة ، وتحقيق أسرع وأكبر قدر من الإنجازات ... ورغم جمالية هذا التصور للمجتمع الافتراضي إلا أنه سيتناقض مع النقطة الأولى والتي لم تكترث أصلا بالاختلاف النفسي بين أطياف المتعلمين !!
· الشخصية الالكترونية : إن التعليم الالكتروني شأنه شأن الحرية التي يوفرها عالم الانترنت يبيح للطالب إعادة تشكيل شخصيته وفق ما يريد لا وفق ما هو عليه في الواقع. ويرتكز على إتاحة الفرصة للمتعلم ببناء شخصيته من خلال فرض نفسه ومحاوراته مع الآخرين والتبادل الثقافي بينهم ، مما يساعده على التغلب على عيوبه الذاتية كما أنه يقوم بوظيفة ( إحلال نموذج ) يصنعه الشخص بنفسه ولنفسه !! وقد يجد الطالب نفسه في مرحلة ما وخاصة في البداية ، في شيء من الانفصام بين شخصيته الطبيعية والالكترونية ولكن بتواجده المستمر في بيئة التعليم الالكتروني ؛ فإنه يصبح قادرا على التعايش مع الشكل الجديد له ، بل يصبح لا يرضى له بديلا !!
3-التعليم الالكتروني لم يستطع أن يوفر بيئة تفاعلية لأنشطة الحياة التعليمية الواقعية إلى هذه اللحظة ، فهناك الأنشطة الطلابية والبيئة الإنسانية التي يتعلم فيها الطالب من السلوكيات أكثر مما يتعلمه من التلقين العلمي ، وذلك أن الفترة الزمنية التي يقضيها الطالب على شاشة الكمبيوتر لتلقي المحاضرة التفاعلية لا تتعدى الثلاث ساعات في أقصى حد لها ، مما يعني أننا نفقد التعايش الحقيقي بين شخصية الطالب الإنسانية و المعلم أو المدرس الإنساني كذلك !! عدا ما يسببه ذلك من مشاكل صحية على المدى البعيد حال زيادة عدد ساعات الجلوس أمام الحاسوب !!
لسنا هنا نقول برفض هذا النمط التعليمي فهو سيفرض نفسه تبعا للاندماج العالمي وسرعة الحياة التي يتطلبها الدخول في عالم اليوم ، خاصة وأن السوق التجاري يشجع كثيرا على هذا النمط التعليمي لأنه سيمثل سوقا برمجيا رائجا وفتحا جديدا لجني الأموال الطائلة والدخول في سوق المنافسة في تصميم وتنفيذ البرامج الخاصة بالمناهج التعليمية حال تبني الدول بأكملها له !!
ولكن ينبغي التوقف للتأكيد على ما يلي :
أولا : أن هذا النوع من التعليم سيكون فاعلا أكثر لو دخل تحت ما يعرف : بتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة أو من يعانون من صعوبات التعلم ، ولا يقصد هنا أصحاب الإعاقات الذهنية والجسدية ولكن من أجبرتهم ظروفهم الخاصة على ترك التعليم مدة من الزمان وأرادوا العودة مرة أخرى لرحابه .
ثانيا : أن يتم تحديد الأعمار المستفيدة من هذا النمط التعليمي ، فمثلا هناك فرق بين فرض هذا النموذج التعليمي على طلاب المراحل الابتدائية والتأسيسية ممن مازالوا بحاجة لفكرة المعايشة والمعاشرة مع شخصية وقدوة إنسانية أمامهم ، ولا يمكن ضبطهم سلوكيا عبر منظومة افتراضية قد يكون فيها المعلم في بلد آخر بعيد عنهم !! وقد يكون أقل ضررا لو كان في المراحل الجامعية المتقدمة ذلك أن حاجة الطالب هنا لبناء مهارة البحث العلمي والتعامل مع شتى مصادر المعرفة أكثر ، وهذا ما يتيحه له التعليم الالكتروني الذي يبني منهجيته على اتساع المصدرية العلمية والمعرفية .
ثالثا : أن يعمل القائمون على هذا النمط من التعليم بطرح الدراسات الوافية حول : القضايا النفسية ، والأخلاق التربوية ، والحماية الفكرية ، والخصوصية الثقافية ، وعدالة التعامل ...
وغير ذلك من قضايا تمس جوهر العملية التعليمية فيما لو اتفقنا على أننا هنا نعلِّم إنسانا فقط ؟؟ لا إنسانا آليا !!