ahmedsadek
30-11-08, 10:18-24
على الرغم من أن هذه الورقة تحمل هذا العنوان، إلا أنني ليست ضد التعليم، ولكنني ضد المعلمين الذي يتصورون أن وظائفهم هي التي ترتقي بالتعليم، وهذا الفهم لوظيفة التدريس، نتج عنه عدد من المشكلات والصعوبات التى تواجهها المؤسسات التعليمية فى الوقت الحاضر.
ولقد انبثقت المشكلات الأساسية من الاعتقاد الشائع والذي يشارك فيه معظم الناس، بأن التعليم يأتي من خارج الإنسان.ومع هذه النظرية الاستقبالية أو نظرية قادوس الناعورة والتي ترجع في جذورها إلى "أرسطو" ، إلا أنها مازالت تشكل أساس المدخل الحديث في التدريس، فمعظم المعلمين المعاصرين يرون أن وظائفهم لا تتعدى ملء أدمغة المتعلمين وذلك بنقل المعرفة إليهم وأن العقل البشرى يشبه إناء فارغاً على المعلمين بملؤه بالمعرفة.
بالمعلم لا يمكنه أن ينقل المعرفة إلى المتعلم وإن كان يبدو أن ما يقوم به المعلم هو عملية نقل المعرفة، إلا أن هذا التصور لا يعدو أن يكون نوعاً من الإيهام بأنه نقل للمعرفة، وتفسير ذلك أن المعلم يمكنه أن يقدم المعرفة للمتعلمين، لكن المتعلمين وحدهم هم الذين يخلقون أو يبدعون فهمهم وإدراكهم لما يقدمه المعلم، وفهم كل متعلم ليس إلا نتاج المعرفة التي أحرزها أساساً.
ومع أن عملية نقل المعرفة ليست إلا نوعاً من الخداع، فالمعلمون يحاولون نقل المعرفة إلى المتعلمين ولكن النقل لا يحدث في كل الأحوال، فالذي يحدث هو أن المتعلمين وحدهم الذين يبدعون في فهمهم وإدراكهم لما يقدمه المعلم وحتى لو كان المتعلمين يقدمون صورة طبق الأصل مما يريد لهم المعلم أن يتعلموه، فإن محاولة المعلم نقل المعرفة إلى المتعلمين تصيب التعليم بكثير من الأخطاء وعوامل الضعف ويتضح ذلك في نقاط عديدة أبرزها:
1- ليس من أخلاق مهنة التدريس أن يحاول المعلمون نقل المعرفة إلى المتعلمين، لأنهم بذلك يتجاهلون أنهم أنفسهم معرضون للخطأ فهم بشر، وفى الوقت ذاته فإنهم ينكرون فعالية المتعلمين، وبمعنى آخر إن المعلمين عندما يحاولون نقل المعرفة إلى المتعلمين، إنهم يعطون لأنفسهم الحق في أن يقرروا ما الذي يجب أن يعرفه المتعلمين، ثم إنهم يفرضون على المتعلمين ما قرروا، وما يحدث في واقع الأمر أن المتعلمين يجبرون على إظهار ما يعتقد المعلمون أنه فهم صحيح للمعرفة، وهذا الإجبار أو القسر هو ما يحول التعليم إلى عملية سلطوية، وعدد كبير من المعلمين يرون أن هذه السلطوية سمة أصيلة من سمات التعليم.
2- البرجماتية تقف ضد محاولة نقل المعرفة إلى المتعلمين، لأن نقلها أو محاولة نقلها تجعل المتعلم يتمسك بالمعرفة المنقولة إليه بعض الوقت حتى يسترجعها عند الامتحان، ومثل هذه المعرفة لا تصبح جزءاً أساسياً من معرفة المتعلم لأنها لم يفهمها وإنما اختزنها في ذاكرته كما هي ومثل هذه المعرفة سرعان ما تختفي لأنها ليس لها قيمة أو معنى أو مغزى لأنه لم يستخدمها ويكفى أن وجود هذه المعرفة لم يكن إلا لاجتياز الاختبار والحصول على الشهادة أو لإرضاء المعلم أي أنها "معرفة المدرسة" التي تكونت بعيداً عن معرفة المتعلم الخاصة به ومن ثم فسرعان ما تختفي.
3- عملية النقل المعرفي تحول دون النمو المعرفي على المدى البعيد وقد يقال أنه عندما يظهر نقل المعرفة بصورة ناجحة فهذا دليل أن المعرفة لدى الطالب قد صارت اعتقاداً حقيقياً عنده وهو قابض عليها قبضاً شديداً ومن ثم فهي لا تنمو أبداً ودليل على ذلك يستطيع أن يرجع أي إنسان بذاكرته إلى المدرسة فمعظم المتعلمين الناجحين أي الذين تعلموا ما نقله المعلم إليهم من المعرفة قد صاروا "عارفين"أكثر جموداً.
فالهدف من التعليم عامة وفى القرن الحالي خاصة هو تدريب المتعلمين على مهام التعلم بهدف القضاء على المعرفة الهشة Fragile Knowledge التي يحصل عليها المتعلمون في النظام التربوي التقليدي، وهى معرفة هشة لأنها معرفة مفقودة سرعان ما ينساها المتعلم، وخاملة لا يستطيع المتعلم استخدامها بتلقائية في المواقف الحقيقية ،ومنفصلة عن السياق الواقعي التي تستخدم فيه هذه المهارات،وساذجة تعتمد على تفسيرات سطحية خصوصاً في مجال الظاهر العلمية.ومن ثم فنتائج هذه المعرفة هو ضعف الدافع للتعلم، وصعوبة نقل مهارات التعلم إلى المواقف الحقيقية، وهذا لأسباب عديدة من أهمها سيطرة ثقافة التلقين على العملية التعليمية والذى يعد المعلم مصدرها الأساسي.
لماذا التعليم:
على الرغم من التوسع الملحوظ في التعليم بمختلف مستوياته في جميع دول العالم-على تباين ظروفها الاقتصادية والسكانية والثقافية والسياسية –وعلى الرغم من التطور المستمر في طرائق التعليم، والتقدم في توفير وسائله واحتياجاته وتكدس المؤلفات التي تعالج مختلف قضاياه، فإن العالم يعيش اليوم أزمة تعليمية تفوق في حدتها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
إننا من خلال العملية التربوية المحددة المضمون والمرسومة الخطوات، نقوم بتشجيع المتعلمين على ممارسة سلوك محدود التفكير، إذ يفرض على حياتهم التعليمية الغموض وعد الوضوح وينتظمون في الدراسة في أنشطة روتينية وتشحن أوقاتهم بأعمال متكررة لا تستدعي تركيزاً ولا انتباهاً ولا يحتاج المتعلم فيها إلى إعمال فكر أو توظيف موهبة أو ذكاء.إنهم يؤدون أدوراً شكلية وصورية تجعل المؤسسة التربوية تصغر في أعينهم ،فهي لا تتيح لهم سوى فرصاً قليلة ومحدودة للتفكير الحقيقي لاكتساب العلم الصحيح وللقيام بالاكتشافات ويعد هذا الحرمان الذي أصاب عقول الناشئة أعنف وأقوى من الحرمان الذي يصيب أحياناً أجسامهم.
والمؤسسة التعليمية تعتمد على مصادر متنوعة مثيرة للقلق والخوف في جزء كبير من أنشطتها بهدف الضبط والتحكم وتوجيههم وجهة محددة ومقصودة ،فبدلاً من أن يساهم العمل التربوي في التخفيف من الضغوط النفسية التي يعاني منها المتعلمين بصفة عامة وفى إزالة المخاوف التي يأتون بها من خارج المؤسسة التعليمية، فإنه يتحول تحت إشراف بعض المعلمين إلى وسيلة تعزز المخاوف وتؤكدها.
ينظر على المتعلم على أنه مثل الوعاء يصب فيه كل ما يعرفه المعلمين من علوم مختلفة.ومن ثم فهو متلق سلبي لا أعرف سوى نثر الحبر على الورق ومن ثم يجب إفساح المجال للمتعلم من أجل تنمية طلاقته الفكرية ومن ثم يصبح الطالب حقيقة وليس سراب.
إن بعض من مجتمع المعلمين يقلل من قدرات المتعلمين على التفكير والإبداع حينما يقدم لهم الأشياء الجاهزة التي يظن أنها تفيدهم وهى لا تخرج عن دائرة انشغالات المعلمين، ولا اعتبار فيها لحاجات المتعلمين المتطورة أو اهتماماتهم المتجددة.
في هذا الجو التربوي يقتنع المتعلمين بأن الهدف الأسمى والغاية النهائية من مضاعفة الجهود والمواظبة على الحضور بانتظام هو الحصول على درجات عالية في الامتحانات التي تجري دورياً في مواسمها المحددة لأن كل ما يصب في المؤسسة التعليمية يصب في اتجاه تكريس هذه القناعة وتأصيلها.
وأزمة التعليم المعاصر تختلف في شكلها وحدتها من دولة إلى أخري، إلا أن آثارها تنعكس بوضوح على كل الشعوب، مهما تباينت ظروفها.وهذه الأزمة يراها البعض في تزايد أعداد الأميين البالغين في العالم بسبب عدم مسايرة التوسع في التعليم للنمو السكاني خاصة في الدول النامية، ويراها البعض الآخر في تدني مستوى المتعلمين.
والسؤال لماذا التعليم إذن؟هل نضيع الوقت والجهد والمال في عملية خاسرة؟هل التعليم وسيلة لغاية أم أنه غاية في حد ذاته؟وإذا كان كذلك فما هي الغاية من التعليم؟وما الهدف من تعلم الرياضيات والعلوم المختلفة والتقنية وغيرها من المواد الدراسية؟هل المقصود من تعلمها زيادة تعقد الحياة وتلوث البيئة وتكدس أسلحة الدمار الشامل؟وها نحن قد أهملنا الجانب الروحي في الإنسان ولذا نحن نعانى من طوفان المادة في غيابه؟هذه الأسئلة في حد ذاتها تجسد أزمة التعليم المعاصرة وتستنهض أصحاب الهمم العالية من أجل إيجاد حلول عاجلة.
الخطأ الشائع في التعليم:
الخطأ الشائع في التعليم بشكل عام وعلى جميع المستويات هو أن المعلم يذهب للمؤسسة التعليمية وهو يريد أن يعلم طلابه شيئاً ما حسب ما هو في خطة الدرس الموضوعة وبالمقابل ينتظر المتعلم المعلم ليلقنه هذه المعلومات كي يتعلمها وهذا يحدث في نظامنا التعليمي وهو ما يطلق علية بالتعليم السلبي Passive learning.
فالنظرة للعملية التعليمة بأنها عملية تعليم الطلاب هي نظرة قاتلة للفكر البشرى لأن هذا النوع من التعليم ممل عند معظم المتعلمين والممل في التعليم قد يؤدى إلى ضعف مهارات التفكير والإبداع.
ويمكن لأي خريج وهو أحد منتجات النظام التعليمي التقليدي أن يحتل منصباً أكاديمياً وهو من أكثر المناصب التي تحتاج إلى دينامكية وتغيير ولكن ربما يغلب على تصرف لعب دور المدير لا دور القيادي الذي يفكر بطرق جديدة وبتخطيط استراتيجي جديد ببساطة فهو غير قادر لأنه تعلم بأن يكون غير قادر ولكي يكون الفرد يفكر بطريقة علمية منتجة يجب إحداث تغير جذري في أسلوب التدريس في المؤسسات التعليمية الجامعية وغير الجامعية.
ونتيجة لذلك فالمنتج لهذا النظام التعليمي أجيال غالبيتهم عنده نوع من العداء للكتاب المدرسي وعدم الثقة بالنفس وضعف القدرة على الإبداع والابتكار وعدم تحمل المسئولية حتى في تثقيف نفسه لأنه تربي بطريقة سلبية وبالتالي عدم تحمل مسئولياته في التطوير أو في التفكير ويكبر الفرد وربما لا يزال هذا الجانب عنده لا ينمو وهذا متوقع.
بعض الخطوات المهمة لتحقيق النهضة التعليمية:
فيما يلي مقترح من أجل تحسين وإثراء العملية التعليمية:
1- ضرورة إعادة النظر في العملية التربوية ذاتها حتى يمكن النهوض بها نوعاً قبل التوسع فيها كماً، ويرى لذلك ضرورة العمل على تجديد عملية التربية :فلسفة وأهدافاً وأسساً ومنهجية ,طرائق ووسائل ومحتوى والعمل على تحسين نوعية القائمين عليها معلمين ومتعلمين وإداريين وغيرهم ذا الصلة بالعملية التعليمية.
2- إنشاء نظام تعليمي جديد وهذا يعنى تغيير أساليب التعليم والتركيز على التفكير الناقد والمنطقي واستحداث تعليم علمي يرتكز على رؤية جديدة للقيم الأخلاقية الاجتماعية والثقافية والهدف من ذلك إيجاد قوة عاملة متعلمة مؤهلة تتمتع بالمهارات التي يتطلبها القرن الحادي والعشرين وتلتزم بالأخلاق الاجتماعية وبالعمل الجماعي وذلك أمر لا يمكن تحقيقه دون تغيير وضع المعلمين وخاصة فيما يتعلق بأساليب تدريسهم.
المراجع
أحمد زويل(2005).عصر العلم.القاهرة:دار الشروق.
باسل عبد الجليل(2003).من كيمياء الدماغ إلى التعلم والإبداع.الدمام:مكتبة المتنبي.
حسن حسين زيتون(2003).تعليم التفكير – رؤية تطبيقية في تنمية العقول المفكرة. القاهرة:عالم الكتب.
زغلول النجار(2006).نظرات في أزمة التعليم المعاصرة وحلولها الإسلامية.القاهرة:مكتبة وهبة.
موسى راشد إبراهيم (2006).التعلم بالتفكير.الرياض:دار الحضارة للنشر والتوزيع.
هنرى ج.بيركنسون(2001).نحو نظرية تربوية بديلة -تعليم بغير أهداف-معلمون لا تقيدهم أهداف، وطلاب لا تحدوهم غايات.ترجمة عبد الراضي إبراهيم محمد عبد الرحمن.القاهرة:مكتبة الأنجلو مصرية.
http://docs.ksu.edu.sa/DOC/Articles12/Article120606.doc
ولقد انبثقت المشكلات الأساسية من الاعتقاد الشائع والذي يشارك فيه معظم الناس، بأن التعليم يأتي من خارج الإنسان.ومع هذه النظرية الاستقبالية أو نظرية قادوس الناعورة والتي ترجع في جذورها إلى "أرسطو" ، إلا أنها مازالت تشكل أساس المدخل الحديث في التدريس، فمعظم المعلمين المعاصرين يرون أن وظائفهم لا تتعدى ملء أدمغة المتعلمين وذلك بنقل المعرفة إليهم وأن العقل البشرى يشبه إناء فارغاً على المعلمين بملؤه بالمعرفة.
بالمعلم لا يمكنه أن ينقل المعرفة إلى المتعلم وإن كان يبدو أن ما يقوم به المعلم هو عملية نقل المعرفة، إلا أن هذا التصور لا يعدو أن يكون نوعاً من الإيهام بأنه نقل للمعرفة، وتفسير ذلك أن المعلم يمكنه أن يقدم المعرفة للمتعلمين، لكن المتعلمين وحدهم هم الذين يخلقون أو يبدعون فهمهم وإدراكهم لما يقدمه المعلم، وفهم كل متعلم ليس إلا نتاج المعرفة التي أحرزها أساساً.
ومع أن عملية نقل المعرفة ليست إلا نوعاً من الخداع، فالمعلمون يحاولون نقل المعرفة إلى المتعلمين ولكن النقل لا يحدث في كل الأحوال، فالذي يحدث هو أن المتعلمين وحدهم الذين يبدعون في فهمهم وإدراكهم لما يقدمه المعلم وحتى لو كان المتعلمين يقدمون صورة طبق الأصل مما يريد لهم المعلم أن يتعلموه، فإن محاولة المعلم نقل المعرفة إلى المتعلمين تصيب التعليم بكثير من الأخطاء وعوامل الضعف ويتضح ذلك في نقاط عديدة أبرزها:
1- ليس من أخلاق مهنة التدريس أن يحاول المعلمون نقل المعرفة إلى المتعلمين، لأنهم بذلك يتجاهلون أنهم أنفسهم معرضون للخطأ فهم بشر، وفى الوقت ذاته فإنهم ينكرون فعالية المتعلمين، وبمعنى آخر إن المعلمين عندما يحاولون نقل المعرفة إلى المتعلمين، إنهم يعطون لأنفسهم الحق في أن يقرروا ما الذي يجب أن يعرفه المتعلمين، ثم إنهم يفرضون على المتعلمين ما قرروا، وما يحدث في واقع الأمر أن المتعلمين يجبرون على إظهار ما يعتقد المعلمون أنه فهم صحيح للمعرفة، وهذا الإجبار أو القسر هو ما يحول التعليم إلى عملية سلطوية، وعدد كبير من المعلمين يرون أن هذه السلطوية سمة أصيلة من سمات التعليم.
2- البرجماتية تقف ضد محاولة نقل المعرفة إلى المتعلمين، لأن نقلها أو محاولة نقلها تجعل المتعلم يتمسك بالمعرفة المنقولة إليه بعض الوقت حتى يسترجعها عند الامتحان، ومثل هذه المعرفة لا تصبح جزءاً أساسياً من معرفة المتعلم لأنها لم يفهمها وإنما اختزنها في ذاكرته كما هي ومثل هذه المعرفة سرعان ما تختفي لأنها ليس لها قيمة أو معنى أو مغزى لأنه لم يستخدمها ويكفى أن وجود هذه المعرفة لم يكن إلا لاجتياز الاختبار والحصول على الشهادة أو لإرضاء المعلم أي أنها "معرفة المدرسة" التي تكونت بعيداً عن معرفة المتعلم الخاصة به ومن ثم فسرعان ما تختفي.
3- عملية النقل المعرفي تحول دون النمو المعرفي على المدى البعيد وقد يقال أنه عندما يظهر نقل المعرفة بصورة ناجحة فهذا دليل أن المعرفة لدى الطالب قد صارت اعتقاداً حقيقياً عنده وهو قابض عليها قبضاً شديداً ومن ثم فهي لا تنمو أبداً ودليل على ذلك يستطيع أن يرجع أي إنسان بذاكرته إلى المدرسة فمعظم المتعلمين الناجحين أي الذين تعلموا ما نقله المعلم إليهم من المعرفة قد صاروا "عارفين"أكثر جموداً.
فالهدف من التعليم عامة وفى القرن الحالي خاصة هو تدريب المتعلمين على مهام التعلم بهدف القضاء على المعرفة الهشة Fragile Knowledge التي يحصل عليها المتعلمون في النظام التربوي التقليدي، وهى معرفة هشة لأنها معرفة مفقودة سرعان ما ينساها المتعلم، وخاملة لا يستطيع المتعلم استخدامها بتلقائية في المواقف الحقيقية ،ومنفصلة عن السياق الواقعي التي تستخدم فيه هذه المهارات،وساذجة تعتمد على تفسيرات سطحية خصوصاً في مجال الظاهر العلمية.ومن ثم فنتائج هذه المعرفة هو ضعف الدافع للتعلم، وصعوبة نقل مهارات التعلم إلى المواقف الحقيقية، وهذا لأسباب عديدة من أهمها سيطرة ثقافة التلقين على العملية التعليمية والذى يعد المعلم مصدرها الأساسي.
لماذا التعليم:
على الرغم من التوسع الملحوظ في التعليم بمختلف مستوياته في جميع دول العالم-على تباين ظروفها الاقتصادية والسكانية والثقافية والسياسية –وعلى الرغم من التطور المستمر في طرائق التعليم، والتقدم في توفير وسائله واحتياجاته وتكدس المؤلفات التي تعالج مختلف قضاياه، فإن العالم يعيش اليوم أزمة تعليمية تفوق في حدتها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
إننا من خلال العملية التربوية المحددة المضمون والمرسومة الخطوات، نقوم بتشجيع المتعلمين على ممارسة سلوك محدود التفكير، إذ يفرض على حياتهم التعليمية الغموض وعد الوضوح وينتظمون في الدراسة في أنشطة روتينية وتشحن أوقاتهم بأعمال متكررة لا تستدعي تركيزاً ولا انتباهاً ولا يحتاج المتعلم فيها إلى إعمال فكر أو توظيف موهبة أو ذكاء.إنهم يؤدون أدوراً شكلية وصورية تجعل المؤسسة التربوية تصغر في أعينهم ،فهي لا تتيح لهم سوى فرصاً قليلة ومحدودة للتفكير الحقيقي لاكتساب العلم الصحيح وللقيام بالاكتشافات ويعد هذا الحرمان الذي أصاب عقول الناشئة أعنف وأقوى من الحرمان الذي يصيب أحياناً أجسامهم.
والمؤسسة التعليمية تعتمد على مصادر متنوعة مثيرة للقلق والخوف في جزء كبير من أنشطتها بهدف الضبط والتحكم وتوجيههم وجهة محددة ومقصودة ،فبدلاً من أن يساهم العمل التربوي في التخفيف من الضغوط النفسية التي يعاني منها المتعلمين بصفة عامة وفى إزالة المخاوف التي يأتون بها من خارج المؤسسة التعليمية، فإنه يتحول تحت إشراف بعض المعلمين إلى وسيلة تعزز المخاوف وتؤكدها.
ينظر على المتعلم على أنه مثل الوعاء يصب فيه كل ما يعرفه المعلمين من علوم مختلفة.ومن ثم فهو متلق سلبي لا أعرف سوى نثر الحبر على الورق ومن ثم يجب إفساح المجال للمتعلم من أجل تنمية طلاقته الفكرية ومن ثم يصبح الطالب حقيقة وليس سراب.
إن بعض من مجتمع المعلمين يقلل من قدرات المتعلمين على التفكير والإبداع حينما يقدم لهم الأشياء الجاهزة التي يظن أنها تفيدهم وهى لا تخرج عن دائرة انشغالات المعلمين، ولا اعتبار فيها لحاجات المتعلمين المتطورة أو اهتماماتهم المتجددة.
في هذا الجو التربوي يقتنع المتعلمين بأن الهدف الأسمى والغاية النهائية من مضاعفة الجهود والمواظبة على الحضور بانتظام هو الحصول على درجات عالية في الامتحانات التي تجري دورياً في مواسمها المحددة لأن كل ما يصب في المؤسسة التعليمية يصب في اتجاه تكريس هذه القناعة وتأصيلها.
وأزمة التعليم المعاصر تختلف في شكلها وحدتها من دولة إلى أخري، إلا أن آثارها تنعكس بوضوح على كل الشعوب، مهما تباينت ظروفها.وهذه الأزمة يراها البعض في تزايد أعداد الأميين البالغين في العالم بسبب عدم مسايرة التوسع في التعليم للنمو السكاني خاصة في الدول النامية، ويراها البعض الآخر في تدني مستوى المتعلمين.
والسؤال لماذا التعليم إذن؟هل نضيع الوقت والجهد والمال في عملية خاسرة؟هل التعليم وسيلة لغاية أم أنه غاية في حد ذاته؟وإذا كان كذلك فما هي الغاية من التعليم؟وما الهدف من تعلم الرياضيات والعلوم المختلفة والتقنية وغيرها من المواد الدراسية؟هل المقصود من تعلمها زيادة تعقد الحياة وتلوث البيئة وتكدس أسلحة الدمار الشامل؟وها نحن قد أهملنا الجانب الروحي في الإنسان ولذا نحن نعانى من طوفان المادة في غيابه؟هذه الأسئلة في حد ذاتها تجسد أزمة التعليم المعاصرة وتستنهض أصحاب الهمم العالية من أجل إيجاد حلول عاجلة.
الخطأ الشائع في التعليم:
الخطأ الشائع في التعليم بشكل عام وعلى جميع المستويات هو أن المعلم يذهب للمؤسسة التعليمية وهو يريد أن يعلم طلابه شيئاً ما حسب ما هو في خطة الدرس الموضوعة وبالمقابل ينتظر المتعلم المعلم ليلقنه هذه المعلومات كي يتعلمها وهذا يحدث في نظامنا التعليمي وهو ما يطلق علية بالتعليم السلبي Passive learning.
فالنظرة للعملية التعليمة بأنها عملية تعليم الطلاب هي نظرة قاتلة للفكر البشرى لأن هذا النوع من التعليم ممل عند معظم المتعلمين والممل في التعليم قد يؤدى إلى ضعف مهارات التفكير والإبداع.
ويمكن لأي خريج وهو أحد منتجات النظام التعليمي التقليدي أن يحتل منصباً أكاديمياً وهو من أكثر المناصب التي تحتاج إلى دينامكية وتغيير ولكن ربما يغلب على تصرف لعب دور المدير لا دور القيادي الذي يفكر بطرق جديدة وبتخطيط استراتيجي جديد ببساطة فهو غير قادر لأنه تعلم بأن يكون غير قادر ولكي يكون الفرد يفكر بطريقة علمية منتجة يجب إحداث تغير جذري في أسلوب التدريس في المؤسسات التعليمية الجامعية وغير الجامعية.
ونتيجة لذلك فالمنتج لهذا النظام التعليمي أجيال غالبيتهم عنده نوع من العداء للكتاب المدرسي وعدم الثقة بالنفس وضعف القدرة على الإبداع والابتكار وعدم تحمل المسئولية حتى في تثقيف نفسه لأنه تربي بطريقة سلبية وبالتالي عدم تحمل مسئولياته في التطوير أو في التفكير ويكبر الفرد وربما لا يزال هذا الجانب عنده لا ينمو وهذا متوقع.
بعض الخطوات المهمة لتحقيق النهضة التعليمية:
فيما يلي مقترح من أجل تحسين وإثراء العملية التعليمية:
1- ضرورة إعادة النظر في العملية التربوية ذاتها حتى يمكن النهوض بها نوعاً قبل التوسع فيها كماً، ويرى لذلك ضرورة العمل على تجديد عملية التربية :فلسفة وأهدافاً وأسساً ومنهجية ,طرائق ووسائل ومحتوى والعمل على تحسين نوعية القائمين عليها معلمين ومتعلمين وإداريين وغيرهم ذا الصلة بالعملية التعليمية.
2- إنشاء نظام تعليمي جديد وهذا يعنى تغيير أساليب التعليم والتركيز على التفكير الناقد والمنطقي واستحداث تعليم علمي يرتكز على رؤية جديدة للقيم الأخلاقية الاجتماعية والثقافية والهدف من ذلك إيجاد قوة عاملة متعلمة مؤهلة تتمتع بالمهارات التي يتطلبها القرن الحادي والعشرين وتلتزم بالأخلاق الاجتماعية وبالعمل الجماعي وذلك أمر لا يمكن تحقيقه دون تغيير وضع المعلمين وخاصة فيما يتعلق بأساليب تدريسهم.
المراجع
أحمد زويل(2005).عصر العلم.القاهرة:دار الشروق.
باسل عبد الجليل(2003).من كيمياء الدماغ إلى التعلم والإبداع.الدمام:مكتبة المتنبي.
حسن حسين زيتون(2003).تعليم التفكير – رؤية تطبيقية في تنمية العقول المفكرة. القاهرة:عالم الكتب.
زغلول النجار(2006).نظرات في أزمة التعليم المعاصرة وحلولها الإسلامية.القاهرة:مكتبة وهبة.
موسى راشد إبراهيم (2006).التعلم بالتفكير.الرياض:دار الحضارة للنشر والتوزيع.
هنرى ج.بيركنسون(2001).نحو نظرية تربوية بديلة -تعليم بغير أهداف-معلمون لا تقيدهم أهداف، وطلاب لا تحدوهم غايات.ترجمة عبد الراضي إبراهيم محمد عبد الرحمن.القاهرة:مكتبة الأنجلو مصرية.
http://docs.ksu.edu.sa/DOC/Articles12/Article120606.doc